الجصاص
65
الفصول في الأصول
هذه الجماعة التي سمعت ذلك منه ، أن تخليه من تكذيبه ، وظاهر النكير عليه ، كما يمتنع على مثلها خبر لا أصل له ، على شئ يخبرون ( 1 ) به عن مشاهدة ، لأن العلة من وقوع الإخبار منهم بذلك موجودة في الكتمان ، واختلاف هممهم ودواعيهم وأسبابهم ، وأن الإخبار بمثله إذا لم يكن له حقيقة لا يكون إلا عن مواطأة وعن سبب يجمعهم ، والمواطأة ، عن مثلهم إذا كانت ظهرت ولم تنكتم . كذلك كتمان الأمور العظام والأشياء العجيبة لا يجوز أن تنفق في مجرى العادة ، لأن الله قد جعل في طباعهم استثقال كتمان مثلها ، وحبب إليهم الإخبار بها ، وجعل لهم دواعي من أنفسهم تدعوهم إلى إشاعتها ونشرها ، سواء كان لهم في كتمانها ضرر ، أو لم يكن ، وذلك معلوم من أحوال الناس . ألا ترى : أن موت الخلفاء وقتلهم وخلفهم ونحو ذلك من أمورهم - لا يجوز على مثل أهل بغداد وقوع الكتمان فيه ، حتى يبقى الناس بعد موت خليفة والبيعة لآخر عشرين سنة لا يخبر واحد منهم به ، ولا ينقله إلى غيره ، وأنه غير جائز في العادة : أن يدخل رجل بغداد فيسأل عن دار الخليفة ، أو عن مسجد جامع المدينة ، فلا يرشده أحد إليه ، حتى يبقى طول دهره بها فلا يجد أحدا يدله على هذه المواضع ، وبمثله علمنا بطلان قول الرافضة : إن النبي عليه السلام نصب رجلا بعينه للإمامة بعده ، ونص عليه . لأن نصب النبي لإمام بعده ، وتعيينه لرجل بعينه - أعظم في الصدور ، وأثبت في النفوس من خلع خليفة في زماننا ، والبيعة لغيره ، لما يتعلق به من الأمور العظام في الدين والدنيا ، ولأن عللهم وأسبابهم تمنع اتفاقهم على كتمانه ، كما تمنع اتفاقهم على كتمان الرسول في الدنيا ، ولو جاز كتمان مثله لجاز لقائل أن يقول : لعله كان في زمان النبي عليه السلام نبي آخر بعثه ، فكتمت الأمة أمره ، ولجاز أن يقول آخر : إن النبي كان غيره فكتمته الأمة ، وادعت النبوة لغيره ، وفيما دون النص على الإمامة وتعيينها لرجل بعينه ( 2 ) لا يجوز الكتمان . فكيف بمثله ، لأن الشئ كلما كان أعظم في النفوس ، وأجل في الصدور ، كان حرص الناس على نقله أشد ، وكلفهم بالإخبار به أكثر ، فعلم بذلك بطلان قول من ادعى : أنه كان هناك نص من النبي عليه السلام على رجل بعينه ( 3 ) ولهذه العلة شرط